|
الخميس 29 أغسطس 2008
ما أشار اليه زميلنا موفق مطر، في مقالته أمس، من تعليل إعلامي حمساوي، لإطلاق مئة وواحد وتسعين أسيراً؛ يستحق وقفة أخرى. فأخي موفق، تناول في نقده لهذا التعليل، جانباً مهماً، يتعلق بقيمة الحرية، وبزج واقعة إطلاق هذا العدد من أسرى الحرية، في إطار المساجلات الراهنة، إذ يزعم "مانشيت" صحيفة حمساوية، أن الإطلاق جاء إنقاذاً لعباس. غير أن هذا التعليل الحمساوي السخيف للحدث السعيد، يستحث المعالجة من جوانب أخرى، ليس أقلها طولاً وعرضاً، التساؤل المشروع، وبالطريقة نفسها، عن الوقائع التي "أنقذ" المحتلون من خلالها حماس نفسها، ببراعة احتلالية حافظت على خنق حياة أهلنا في قطاع غزة، وفي الوقت نفسه، أنعشت الحمساويين، بشرايين الأنفاق، وبشاطيء مفتوح لمن يريد أن يتضامن، وبسماء آمنة، تتأسس على أمنها حركة آمنة، للسيارات وللأشخاص القياديين، وللتحشيد العسكري ولعمل السجون، خلافاً لما كان عليه الحال، بالنسبة للجميع، في أوقات الانتفاضة الطويلة الثانية!
* * *
على هذه الأصعدة وغيرها، لم يقُل أحد، مثلاً، إن التهدئة جاءت إنقاذاً لحماس، علماً بأنها قرار إسرائيلي ألزم المقاومة، وبرنامجها المُعلن انتخابياً وسياسياً، بمنظومة أثمان، يجري، في كل دقيقة، اختبار قدرة حماس على دفعها، ليصبح حتى أنين الناس في غزة، تحت السيطرة ورهن الاحتواء. ولم يقل أحد، إن جمع سلاح المقاومين، ومركزته في يد واحدة، وبأساليب بطش لم يعهدها شعبنا حتى في أيام الانتداب البريطاني وفي حكايات "الفَشَكَة" التي يفتش عنها الإنجليز؛ جاءت وفق مخطط إنقاذ تبادلي بين حماس وحكومة إسرائيل. لم يقل أحد، من الفتحاويين، شيئاً على هذا المنوال، علماً بأن التدليس الحمساوي انطلى على كثيرين من أبناء جالياتنا البعيدة عن الواقع. لكن اللافت والعجيب، في التعليل السخيف، الذي قدمته حماس، لإطلاق مجموعة من الأسرى، هو هذه النبرة الانتصارية، التي جعلت سفينة عباس غارقة، في مواجهة بارجة حماس الضخمة المنيعة، التي لا يمكن أن تغرق حتى وإن أغرقتنا جميعاً. فقد جعلت هذه النبرة، العدو ينقذ عباس بـ 199 أسيراً غير ملتزمين بشيء سوى قضية الحرية! فلو كان الكلام عن إطلاق أسرى، في محاولة لإنقاذ صدقية المفاوضات، لقلنا إن التعليل منطقي. وحيال الزعم بأن الإطلاق كان إنقاذاً لعباس، يحق التساؤل: نفترض جدلاً بأن سفينة الرجل غارقة، فمن الذي أغرقها؟ ولماذا؟ وهل تغرق السفينة لو أن الإحتلال انتزع التنازلات عن الثوابت؟ وهل أغرقها وهي تتجاوب معه أو تعمل بوحي منه؟ أم أن حماس أغرقتها بحركة الأمواج في محيط إبحارها، فتدخل العدو لإنقاذها بالأسرى؟ كلام استهلاكي تافه، يمضغه بعض الناشئة ويمضغه السطحيون، ويتسلى به المفلسون المستعيضون عن بؤس التهدئة، وعن الحصيلة الكارثية لتجربة حماس في غزة، بالنبرة الانتصارية، وبالهيجان اللفظي، فيرشون على الموت سُكراً، في هذه الأوقات السوداء! www.adlisadek.net adlishaban@ hotmail.com
طباعة المقال
|
التعليق على المقال
لا توجد تعليقات
|