|
الإثنين 26 تموز (يوليو) 2010
أمضينا (توفيق الطيراوي وقيادات المناطق الفتحاويين وأنا) شطراً من يوم أمس في مخيمي بلاطة وعسكر، قبل أن أنتقل الى البلدة القديمة من مدينة نابلس. كانت الوجهة بيوت عدد من منازل عائلات الأسرى والشهداء، فضلاً عن معالم مدينة فلسطينية عريقة ومُنتجة منذ فجر التاريخ. وفي الحقيقة لا بد لواحدنا أن يتوقف أمام الاحتشاد المكثف للرمزيات في منازل عائلات الشهداء والأسرى، من ملصقات كبيرة الحجم للراحلين من الذين قضوا على طريق الحرية، أو من الأسرى الصابرين، ومن صور وإيقونات لرموز النضال الوطني وآيات قرآنية. ففي منازل تلك العائلات المعطاءة، لا موجب لعمل فنيي الديكور الذين يحافظون على المسافات بين الأطر على الجدران، وعلى التناسق بين الرمزيات في احتشادها الصارخ. وليس هذا الاحتشاد هو ما يسترعي الانتباه، ففي لغة السيدات الأمهات ما يجعلك تشرد بذهنك الى مقارنات مرهقة بين عوالم فلسطينية مختلفة. ومناخ عائلات الأسرى، يفاجئك بالكثير مما لا تعرفه. فالأسرة تسدد من مقدراتها ومن «أصول» ممتلكاتها المتواضعة، أكلاف المحامين. وعندما استفسرت عن دور مؤسسات الأسرى ووزارتهم، قيل لي مع استخدام تشبيه من حياة المخيم لتسهيل المقاربة؛ إن محامي الوزارة أو الجهة الرسمية الذي يكون التعاقد معه، يشبه طبيب الطوارئ في وكالة الغوث، عندما يكتب لك الوصفة قبل أن يسمعك. بالتالي فإن العائلات، وعلى أمل تخفيض الحكم الاحتلالي على إبنها الأسير، تلجأ الى المحامي «المخصوص» الذي تكون له مداخله لتخفيض الحكم. وهنا تعتصر العائلة نفسها وتدفع. واللافت إن الحديث عن مبلغ الدفع، فيه قدر من الإعراب عن الاعتزاز بالنفس، ويكون الإفصاح عن الرقم، على غير ما هو الحال بالنسبة لمن يعملون بعقود مع إن جي أوز أو مؤسسات أهلية مترفة. فهؤلاء يتكتمون على أرقامهم ولا يباهون بها لكي لا يلتفت اليهم احد. وتثير الإعجاب فعلاً، تلك الروح الجميلة المتعالية على الجراح، لدى عائلات الشهداء والأسرى. وكان الشباب محقون ولا يجاملون، عندما أكدوا بأن الحاجة أم احمد حمودة، التي هي أم أسير من مخيم عسكر، باتت رمزاً للأمهات لأنها أفصحهن وأكثرهن اختزاناً لحكايات ولقطات المواجهة مع الاحتلال. فقد كانت تهجم لتخليص أي شاب، قائلة إنه ابنها، حتى تنبه الجنود الى استحالة أن يكون لها خمسون ابنا أو أكثر، فأطلقوا عليها رصاصة مطاطية ثقيلة. لكنها الآن تروي الحكاية ضاحكة! * * * لعل أعمق ما في الزيارات تأثيراً في النفس وأدعاها الى التأمل؛ هو القصة التي رواها والد أحد الاستشهاديين. فقد جاؤوا لنسف منزله، وعندما همّوا بتنفيذ جريمتهم ضد الأسرة، تنبهت الأم الى وجود عصفورين في المنزل، فصرخت لكي تتحاشى فاجعة مقتل العصفورين، وانقضت على المكان قبل النسف، لكي تنقذهما. فالأسرة الفلسطينية التي تسبب القهر والاستلاب الاستيطاني والاحتلال المديد الفظ، في ذهاب ابنها الى العنف؛ ليست حقودة ولا يسعدها إزهاق الأرواح، وبالتالي إن سفالة المحتلين هي صانعة كل فاجعة لأية أسرة تعيش على الأرض من النهر الى البحر! بقي القول، في هذه السطور السريعة التي أرتجلها بعد عودتي مرهقاً من محافظة نابلس؛ إن معاناة عائلات الأسرى في موضوع الزيارات التي هي حق إنساني لها، جديرة بأن يرفعها السقف السياسي الفلسطيني ( هي وموضوعات أخرى إنسانية وحياتية أخرى) الى مصاف المسائل الكاشفة والمهمة والجوهرية التي يتوجب طرحها أمام كل من يدعو الى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، لا سيما من الأمريكيين والأوروبيين وسائر المعنيين بحقوق الإنسان. فقد علمت أن تكلفة إيصال الهاتف الخليوي للأسير، تصل الى ما يزيد عن عشرة آلاف دولار، لأن منظمة السجن الاحتلالي تتراخي قليلاً في الحق الإنساني للسجين، ليس لصالح إنسانيته، ولكن بشفاعة آليات اعتصار أسرته عن طريق الرُشى. وهذه لوحدها نقطة عجيبة، وعلى البلاطة، من عالم عائلات الأسرى في بلاطة وفي مخيم عسكر القديم والجديد! في معايشة مناخات عائلات الأسرى، يمر واحدنا بتجربة شعورية استثنائية. فقد سعدت برباطة جاش الأخت السيدة كفاح حرب، أرملة العزيز الراحل الشهيد المبعد عبد الله داود. فقد لجأت كفاح الى الدراسة والى البحث الأكاديمي مع رعايتها لطموحات أبنائها. أخيراً، ربما أكون استعدت خلجات عشتها باعتباري واحداً ممن كانوا أسرى، وكانت عائلتي عائلة أسير. ومن ذا الذي يمكن أن يُعيدني عن الشرود الذهني البعيد، وعما شغلني من استذكار لوالدي الراحل وأمي الراحلة، بعد الاستماع الى أمهات الأسرى والشهداء، في جلسات حميمة وغير احتفالية؟ ربما يكون المحامي النابلسي الممتليء بالحيوية نائل الحوح، هو الذي اعادني عن الشرود، منذ ان استقبلني عند مدخل نابلس ثم توجهنا معاً الى ديوان حارة القيسارية، ليتبدى مشهد احتشاد آخر لرمزيات ذات صلة، تحتلط فيها براهين الجدارة الحضارية والمعمار البديع، بلافتات تذكارية للشهداء في أماكن سقوطهم ذوداً عن معنى وجودهم وعلائمه. هبطنا من حارة العقبة الى السوق الشرقي، وصولاً الى ما بعد المسجد الصلاحي الكبير، ومررنا على الحمام التركي البديع وتفحصنا هندسته المعمارية، وكان مرشدنا الأستاذ نائل يحفظ درساً خلاصتة إننا باقون هنا، بقوة تجذرنا في الأرض وبجدارة شعبنا في الحياة. ففي مصبنة النابلسي التي تفقدناها، حافظ الصناع جيلاً بعد جيل، على الحوض الغميق الذي كان يُغلي فيه معجون الصابون حسب الطريقة اليدوية القديمة، ليس لكي ينتجوا صابونهم الجديد بوسائل بدائية، وإنما لكي يحافظوا على تذكارات شوط من التاريخ قطعه الفلسطينيون في انتاج ما يغسل الأدران! www.adlisadek.net adlishaban@hotmail.com
طباعة المقال
|
التعليق على المقال
تحيه
بواسطة ام عبدالرحمن
في 7/26/2010
أصبحنا لا نرى واقعنا إلا من خلال مقالاتكم
بواسطة عاشقة القلم الشامخ
في 7/26/2010
شيء تحفة
بواسطة جميل
في 7/26/2010
خان يونس فلسطين
بواسطة محمود المشهدي
في 7/27/2010
كل التحية لك كاتبنا واتمني قراءة هذا التعليق
بواسطة ابو البراء
في 7/27/2010
|