لو أن واحدنا أراد الاتصال من الخارج، بشخص من سكان قطاع غزة، ثم أخطأ في رقم هاتفه؛ فان الصوت الخطأ، الذي يسمعه على الطرف الآخر، سيجعله يشعر أن المقيم في غزة، لا يرغب في قطع حبل الحديث بسرعة، ولا قبول الاعتذار الواضح، هكذا دون سين أو جيم. وستكون وسيلة أخينا هي الأسئلة عمن أريد «بالضبط» ومن أين تتحدث، ومن أين جئت بهذا الرقم، وربما يكون في مقدورنا مساعدتك؟ فمن بين مجموعة التداعيات النفسية للحصار، هي احساس القاطنين في قطاع غزة، بالضجر المضطرد، والميل الى التعلق بأي حديث يفتح الآفاق للمكان، وسيكون واحدنا لئيماً أو بارعاً، ان تحدث مع عزيز في قطاع غزة، في مشروع سفر أو لقاء في الجوار العربي، أو في نقطة أبعد، ثم دخل في تفصيلات حول برنامج الرحلة، متجاهلاً الصعاب وتعقيدات التأشيرات والعوز المادي وكل شيء يحبط السياق. سيكون الفلسطيني على الطرف المحاصر، مسروراً متلذذاً بالموضوع، وربما ستلاحظ انه يردد بعض عباراتك، لكي يسمعها أعضاء أسرته المتحلقون حوله!
وفي ثنايا هذا الطريف من انعكاسات الحصار، أن كل انسان من قاطني المكان، يفاتحك في أمر ضجره شخصياً أو في زهقه كما لو أنه حصرياً، وبخلاف سواه من الناس، يمر بزهق استثنائي سيضطره الى السفر. وكان الضابط الشاب علاء، من حرس الرئاسة، وهو في منزلة ابني، يرغب في «تطيير زهقه» فخرج بعد جهد جهيد، الى الجانب المصري من المعبر المفتوح للحالات الانسانية، وكان بشوشاً واثقاً بأنه أصبح على أبواب التطيير، فقال للقائمين على ترتيبات السفر، انه ليس عابراً مسافراً الى بلد آخر. تلاطف معه موظفو المعبر المصري، وسألوه عن «تحويلة» العلاج التي أعدها لكي يخرج، فأكد على أنه بصحة جيدة، وأنه لن يكذب ولن يتمارض، فهو يريد «تطيير زهقه» وأن يرى «وجه ربنا» فسمح له الموظفون بالتطيير السريع، على المعبر نفسه، ثم العودة لكي يفتح مجالاً للعابرين من المرضى والعالقين، والمسافرين للالتحاق بأعمالهم في بلدان أخرى. ففي الحقيقة، هناك افتراض صحيح، لدى الاخوة المصريين، وهو أن الظروف التي يمر بها سكان قطاع غزة، ستجعلهم ينتقلون بنسبة 90% الى الأراضي المصرية في يوم وليلة، لو أن المعبر فُتح تماماً، وسينتقل الناس ليس للاقامة الطويلة، وانما للتأكد من أنهم غير مسجونين، ولتطيير «الزهق» مؤقتاً، ورؤية «وجه الله» عوضاً عن وجوه أخرى لا نرغب في تسميتها، تفاؤلاً بكلام عزام الأحمد!
* * *
ولسنا نحابي مطاراً ولا معبراً، ان أكدنا على ضرورة رفع الحصار واعادة حياة الناس الى سيرتها الطبيعية، التي تجعل أعز البقاع على سطح الأرض، بالنسبة للفلسطينيين، هي وطنهم الذي يسافرون منه واليه. أما فتح الباب لخروج الناس في ذروة احساسهم بأنهم مسجونون، وبأن لا انفراج لشيء؛ فانه سيُخلي قطاع غزة من سكانه، ولنا أن نتصور العديد من السيناريوهات في حال خلو قطاع غزة من السكان. فلعل أبسط المحاذير، تتعلق بجاهزية المحتلين الغاشمين لاجتياح المكان، الذي لن يتبقى فيه سوى شاليط ومن يأسرونه، وهنا تتبدى واحدة من المخاطر التي سينجم عنها ضياع الأمل الذي كلفنا الكثير، باطلاق سراح عدد كبير من أسرانا الأبطال. لقد دفعنا ثمناً غالياً، منذ أن قام الشبان بأسر الجندي شاليط، وكان من بينهم الصغير محمد، غير الحمساوي، الذي جاءني على أمل الالتحاق مع «تفريغات» 2005 للشرطة، وهو ابن جارتي الفتحاوية أم علي فروانة. فقد أسر الشبان الجندي من قلب وحدته العسكرية، وهذا اعجاز، استكمله الحمساويون بالحفاظ على الجندي!
* * *
تقول الدراسات السيكولوجية، ان تأثيرات الحصار على جودة حياة المواطنين في قطاع غزة، بلغت نسبتها 84% على مستوى الأسر. فقد غيّر الناس أنماط حياتهم، وتبدلت الكثير من الطباع، وتفشت النكتة القائمة على المقارنات المريرة، وانتعشت القرائح. ليلة أمس أرسل لي محمد يحيى العزايزة من دير البلح يقول انه قرأ مقالتي المنشورة في اليوم نفسه، فقرر اهدائي ما جادت به قريحته في تحوير أغنية «يا صلاة الزين» التي كتبها بيرم التونسي ولحنها الفنان زكريا أحمد. كان مطلع التحوير: يا صلاة الزين على معيشتنا يا صلاة الزين.. الداء مبين مُش خافي.. والشفا من عند الله الشافي. ثم يقول: يا مداحين، قولوا على خيبتنا أم الخيبات، الشعب جوعان يا سيدنا الشيخ، شبّعتوه كلام، وهلكتوه تاريخ، نفسي توروه شقحة بطيخ.. زبدية سلطة وصحن طبيخ!
وفي تقديري ان العزايزة، لم يكن سيمد اصبعه على كلمات النص الذي كتبه بيرم التونسي، لو لم يكن «زهقاناً»!
بقي أن نشير سريعاً، الى أن من بين أسباب الاحساس بالمرارة وباللاجدوى، هو وجود القدرة الاعجازية على الاحتمال والتكيف، لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالصبر على مصاعب يومية كانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، والاضطرار للعودة الى أساليب الحياة البدائية. ففي هذه الظروف، أظهر الفلسطينيون ميلاً قوياً الى تعميق مشاعر التضامن الاجتماعي على النحو الجدير بالاحترام.
غير أن المساعدة في الابقاء على الأمل في انفراج قريب، تظل وسيلة حميدة، يمكن لواحدنا أن يستخدمها باستمرار، من خلال أحاديث على الهاتف أو مراسلات عبر شبكة المعلومات الدولية «الانترنت». فقد بات السفر موصولاً بالأمل، وهو أحلى من شقحة بطيخ، بالنسبة للمحاصرين الذين يقع عليهم، أعتى أنواع الظلم في التاريخ!
www.adlisaded.net
adlishaban@hotmail.com